في المنطقة الصناعية جنوب بورسعيد، تحوّل ما قدّمه إعلام السلطة طويلًا باعتباره «مشروعًا قوميًا» لصناعة الإطارات إلى كابوس حقيقي لمئات العمال، بعد أن قررت إدارة مصنع «بيراميدز للإطارات» فصل 25 عاملًا دفعة واحدة، فقط لأنهم تجرأوا واحتجّوا على تسريح مئات من زملائهم، وعلى خصومات قاسية طاولت رواتبهم الهزيلة أصلًا.

القرار جاء ليكشف مرة أخرى كيف تُدار ملفات الاستثمار والصناعة في مصر على حساب أمن العمال وحقوقهم، وكيف تتحوّل القوانين إلى حبر على ورق حين يصطدم النص بمصالح أصحاب النفوذ.

 

من خصم 2000 جنيه وتسريح 200 عامل إلى فصل 25 محتجًا

 

تعود جذور الأزمة إلى سلسلة إجراءات تصعيدية اتخذتها إدارة «بيراميدز للإطارات» منذ نهاية عام 2025، بدأت بتسريح نحو 200 عامل بدعوى «إعادة الهيكلة وتقليل التكاليف»، قبل أن تُفاجأ بقية القوة العاملة بخصم يصل إلى 2000 جنيه من رواتبهم، تحت مسميات مختلفة، من بينها الحوافز والإضافي، في وقت بالكاد تغطي فيه الأجور تكلفة المعيشة في مدينة مثل بورسعيد.

هذه القرارات دفعت العمال إلى تنظيم وقفة احتجاجية داخل أسوار المصنع يوم الإثنين 2 فبراير 2026، طالبوا خلالها بوقف التسريح الجماعي والتراجع عن الخصومات الجائرة، وفتح حوار حقيقي حول ظروف العمل والأجور.

 

بدلًا من الاستجابة لمطالب تبدو بديهية في أي منشأة تحترم قوانين العمل، اختارت الإدارة الطريق الأسهل والأكثر قسوة: ضرب المثال بالقيادات الطبيعية وسط العمال.

ففي اليوم التالي، فوجئ 25 عاملًا بإخطار فصل فوري، بعضهم شارك في الاحتجاج، وآخرون معروفون بنشاطهم في المطالبة بتحسين الأوضاع.

الرسالة كانت واضحة للجميع: أي محاولة لتنظيم الصفوف أو الاعتراض على القرارات الأحادية ستُواجَه بالعقاب المباشر، دون اعتبار لأوضاع أسر تعتمد بالكامل على تلك الرواتب.

 

«مشروع قومي» بلا أمان وظيفي: المصنع يربح والعمال يدفعون الثمن

 

يُسوَّق لمصنع «بيراميدز للإطارات» منذ افتتاحه باعتباره أحد قصص النجاح في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ومثالًا على جذب الاستثمارات و«توفير آلاف فرص العمل» لأبناء بورسعيد والمحافظات المجاورة.

لكن شهادات العمال والقرارات الأخيرة تقول عكس ذلك: عقود مؤقتة، غياب واضح للأمان الوظيفي، ونمط إدارة يعتبر العامل مجرد رقم في كشف المرتبات يمكن شطبه في أي لحظة بحجة التكاليف أو «الظروف السوقية».

 

العمال المفصولون يشيرون إلى أن الإدارة لم تلتزم حتى بالإجراءات المنصوص عليها في قانون العمل، سواء في ما يتعلق بالتحقيق قبل الفصل، أو بالإنذارات المسبقة، أو حتى ببحث بدائل أقل قسوة، مثل النقل أو إعادة توزيع العمالة.

والأدهى أن قرارات التسريح والفصل تأتي في وقت تُوجَّه فيه مليارات الجنيهات من أموال المصريين إلى دعم البنية التحتية التي تستفيد منها هذه المشروعات، من طرق وموانئ وتسهيلات جمركية وضريبية، بينما يُترك العمال يواجهون وحدهم شبح البطالة وتعثر سداد الإيجار وأقساط المدارس والديون الاستهلاكية.

 

ما يجري في «بيراميدز» لا يمكن فصله عن مناخ عام يعتبر «الاستثمار» مبررًا كافيًا لتجاوز أبسط معايير العدالة في علاقة العمل.

فالدولة التي لا تتردد في إرسال الشرطة لحماية أسوار المصانع ومنع احتجاج العمال، هي نفسها التي تتقاعس عن إرسال مفتشي العمل أو ممثلي وزارة القوى العاملة للتحقيق الجاد في شكاوى الفصل التعسفي والخصومات غير القانونية، أو حتى فرض غرامات على الشركات المخالفة.

 

معركة أوسع من مصنع واحد: حقوق العمال بين قانون معطّل وسلطة منحازة

 

استغاثة عمال «بيراميدز» ليست حادثة معزولة؛ فهي تأتي في سياق موجة أوسع من الاحتجاجات العمالية التي شهدتها مصر خلال الأشهر الأخيرة، من مصانع الملابس الجاهزة في المنطقة الحرة، إلى شركات الغذاء والنسيج والألومنيوم، حيث يتكرر النمط نفسه: ضغوط اقتصادية خانقة، تضخم يلتهم الأجور، وإدارات تلجأ إلى أسهل الحلول: التسريح، التجميد، الخصومات، والفصل.

 

قانون العمل الجديد، الذي رُوِّج له باعتباره خطوة لحماية العمال وتنظيم علاقات العمل، بدا في كثير من الحالات بلا أنياب، في غياب إرادة سياسية تسمح بتفعيل مواده على أرض الواقع.

فالمواد التي تحظر الفصل التعسفي، وتُلزم أصحاب الأعمال بالحوار مع ممثلي العمال، وتضع قيودًا على إنهاء العقود، تتحول عمليًا إلى نصوص تجميلية حين يقرر صاحب العمل أن يضغط على العمال أو يعاقب من يرفع صوته.

 

في حالة «بيراميدز»، تحاول إدارة المصنع إرسال رسالة ردع لجميع العاملين: لا صوت يعلو فوق قرارات الإدارة، ولا مكان للتنظيم أو الاحتجاج.

لكن ما تكشفه التجربة التاريخية للحركة العمالية في مصر أن محاولات «كسر الروح» غالبًا ما تؤدي إلى نتيجة عكسية؛ فالفصل التعسفي لعدد محدود من العمال قد يفتح الباب أمام موجة تضامن أوسع، داخل المصنع وخارجه، خاصة مع وجود منصات حقوقية وإعلامية ترصد الانتهاكات وتوثقها وتضعها أمام الرأي العام.

 

في النهاية، ما يحدث في مصنع «بيراميدز للإطارات» ببورسعيد ليس مجرد نزاع بين إدارة وعمال على مكافأة أو حافز، بل اختبار حقيقي لجدية الدولة في احترام حق المصريين في عمل لائق وأجر عادل وأمان وظيفي، ولقدرة المجتمع على الوقوف إلى جوار أضعف حلقاته في مواجهة تحالف المال والسلطة.

استمرار الصمت يعني أن فصل 25 عاملًا اليوم قد يتحول غدًا إلى مئات وآلاف، في مصانع أخرى وقطاعات أخرى، ما يدفع ثمنه عمالًا أُلقي بهم خارج بوابات «المشروعات القومية» بلا تعويض ولا حماية ولا أفق بديل.